المقريزي

181

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

وكان عبد اللّه عالما بجميع الشرائع ، والسنن والمذاهب . وأنه رتب سبع دعوات يندرج الإنسان فيها حتى ينحل عن الأديان كلها ، ويصير معطلا إباحيا لا يرجو ثوابا ، ولا يخاف عقابا ، ويرى أنه ، وأهل نحلته على هدى ، وجميع من خالفهم أهل ضلالة ، وإنه قصد بذلك أن يجعل له أتباعا ، وكان يدعو إلى الإمام من آل البيت محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ، وأنه كان من الأهواز ، واشتهر بالعلم والتشيع ، وصار له دعاة ، وقصد بالمكروه ، ففرّ إلى البصرة ، فاشتهر أمره ، وسار منها إلى سلمية « 1 » من أرض الشام ، فولد له ابن بها اسمه : أحمد ، ومات فقام من بعده أحمد ، وبعث بالحسين الأهوازيّ داعية إلى العراق ، فلقي أحمد بن الأشعث المعروف : بقرمط في سواد الكوفة ، ودعاه إلى مذهبه ، فأجابه ، وقام هناك بالأمر ، وإلى قرمط هذا تنسب القرامطة ، وولد لأحمد بن عبد اللّه بن ميمون القدّاح : الحسين ، ومحمد المعروف بأبي الشعلع ، فلما مات أحمد خلفه ابنه الحسين في الدعوة حتى مات ، فقام من بعده أخوه : أبو الشعلع ، وكان لأحمد بن عبد اللّه ولد اسمه سعيد ، فصار تحت حجر عمه ، وبعث أبو الشعلع بداعيين إلى المغرب وهما : أبو عبد اللّه وأخوه أبو العباس ، فنزلا في البربر ، ودعوها ، واشتهر سعيد بسلمية بعد موت عمه ، وكثر ماله فطلبه السلطان ففر من سلمية إلى مصر يريد المغرب ، وكان على مصر عيسى النوشريّ ، فورد عليه كتاب الخليفة ببغداد بالقبض عليه ، ففاته ، وصار بسلجماسة « 2 » في زيّ التجار ، فبعث المعتضد من بغداد في طلبه ، فأخذ وحبس حتى أخرجه أبو عبد اللّه الشيعيّ من محبسه ، فتسمى حينئذ بعبيد اللّه ، وتكنى بأبي محمد ، وتلقب بالمهديّ ، وصار إماما علويا من ولد محمد بن جعفر الصادق ، وإنما هو : سعيد بن الحسين بن أحمد بن عبد اللّه بن ميمون القدّاح بن ديصان البونيّ الأهوازيّ ، وأصله من المجوس ، فهذا قول من ينكر نسبهم . وبعض منكري نسبهم في العلوية يقول : إنّ عبيد اللّه من اليهود ، وإنّ الحسين بن أحمد المذكور تزوّج امرأة يهودية من نساء سلمية كان لها ابن من يهوديّ حدّاد ، مات وتركه لها ، فرباه الحسين ، وأدّبه وعلمه ، ثم مات عن غير ولد فعهد إلى ابن امرأته هذا ، فكان هو : عبيد اللّه المهديّ ، وهذه أقوال إن أنصفت تبين لك أنها موضوعة ، فإن بني عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، قد كانوا إذ ذاك على غاية من وفور العدد وجلالة القدر عند الشيعة ، فما الحامل لشيعتهم على الإعراض عنهم ، والدعاء لابن مجوسيّ ، أو لابن يهودي ، فهذا مما لا يفعله أحد ، ولو بلغ الغاية في الجهل والسخف ، وإنما جاء ذلك من قبل ضعفة خلفاء

--> ( 1 ) سلمية : بليدة في ناحية البرية من أعمال حماه بينهما مسيرة يومين وكانت تعد من أعمال حمص . المعجم ج 3 / 540 . ( 2 ) بسلجماسة : في معجم البلدان : سجلماسة بتقديم الجيم على اللام ، مدينة في جنوب المغرب في طرف بلاد السودان بينها وبين فاس عشرة أيام . معجم البلدان ج 3 / 192 .